يوغياكارتا – في وقت يشهد فيه التعليم العالي تحولات متسارعة بفعل التطورات العلمية والتكنولوجية، لم يعد دور الأستاذ الجامعي مقتصراً على إلقاء المحاضرات داخل قاعات الدراسة، بل بات مطالباً بالإسهام في البحث العلمي، وإنتاج المعرفة، وتقديم حلول عملية للتحديات المجتمعية.
هذه الرؤية شكلت محور برنامج تطوير كفاءات الأساتذة الجامعيين الجدد (PKDP) الذي نظمه مركز ضمان الجودة بجامعة سونان كاليجاغا الإسلامية الحكومية في يوغياكارتا، بمشاركة 64 أكاديمياً من الجامعة وعدد من مؤسسات التعليم العالي الخاصة في الإقليم.
وأكدت رئيسة مركز ضمان الجودة، البروفيسورة دوي أغوستينا، أن البرنامج يمثل محطة أساسية في المسار المهني للأستاذ الجامعي، إذ يهيئ المشاركين للاندماج في البيئة الأكاديمية وفق المعايير المهنية المعتمدة.
وأوضحت أن البرنامج لا يقتصر على الجوانب الإدارية أو التقنية، بل يهدف إلى ترسيخ فهم أعمق لمسؤوليات الأستاذ الجامعي ودوره العلمي والمجتمعي، مشيرة إلى أن اجتياز البرنامج يعد خطوة مهمة نحو الحصول على شهادة الاعتماد المهني للأستاذ الجامعي.
وأضافت أن التدريب يمتد لأسبوعين، ويتضمن محاضرات حضورية، ودورات أكاديمية متخصصة، إضافة إلى مهام تطبيقية تهدف إلى تطوير مهارات التدريس والبحث العلمي والنشر الأكاديمي.
وقالت: «نأمل أن يمتلك المشاركون بعد انتهاء البرنامج الكفاءات الأربع الأساسية للأستاذ الجامعي المحترف: الكفاءة التربوية، والكفاءة المهنية، والكفاءة الشخصية، والكفاءة الاجتماعية».
من جانبها، شددت نائبة رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية وتطوير المؤسسة، البروفيسورة إستينينغسيه، على أن البحث العلمي يمثل الثروة الحقيقية للأكاديمي، مؤكدة أن قيمة الأستاذ الجامعي تقاس بما يقدمه من معرفة وإسهامات علمية للمجتمع.
وقالت إن التحدي الأكبر أمام الأكاديميين اليوم يتمثل في القدرة على دمج أركان الرسالة الجامعية الثلاثة: التعليم، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع.
وأضافت: «لا ينبغي لهذه المهام أن تعمل بمعزل عن بعضها البعض. فالتعليم يجب أن يقود إلى البحث، والبحث ينبغي أن يسهم في معالجة قضايا المجتمع. عندها فقط يصبح الحرم الجامعي مؤسسة ذات أثر حقيقي».
كما دعت الأساتذة الجدد إلى مواكبة التطورات الرقمية المتسارعة، مشيرة إلى أن الأجيال الجديدة من الطلبة تنمو في بيئة رقمية تتطلب من الأكاديميين تحديث مهاراتهم باستمرار للحفاظ على فاعليتهم التعليمية.
وفي السياق ذاته، دعا نائب رئيس الجامعة لشؤون الطلبة والتعاون الدولي، البروفيسور عبد الرزاقي، المشاركين إلى النظر إلى مهنة التعليم من منظور تاريخي ووطني، مؤكداً أن المعلمين والمثقفين لعبوا أدواراً محورية في تشكيل الوعي الوطني الإندونيسي منذ مرحلة النضال ضد الاستعمار.
وأوضح أن التعليم كان أحد أهم الأدوات التي ساهمت في ظهور النخب الوطنية التي قادت حركة التحرر وأسهمت في بناء الدولة الحديثة.
وقال: «لقد كان التعليم النقدي الموجه إلى عامة الناس أحد العوامل التي أججت روح الثورة الإندونيسية».
وأضاف أن تاريخ البلاد يثبت أن التعليم ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل أداة للحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء للمجتمع والدولة.
وأشار إلى أن الحكومات الإندونيسية الأولى اعتمدت على المعلمين لنشر قيم الوطنية في مختلف المناطق، مؤكداً أن الأساتذة الجامعيين اليوم يتحملون مسؤولية أخلاقية مماثلة تتمثل في حماية مستقبل البلاد من خلال تعليم مهني وملهم وملتزم بقضايا المجتمع.
واستشهد بالتجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية، معتبراً أن نهضة الأمم لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر الاستثمار في التعليم والثقافة وبناء الإنسان.
وخاطب المشاركين قائلاً: «إن مستقبل إندونيسيا يرتبط أيضاً بما تقدمونه أنتم. لذلك اجعلوا هذا البرنامج فرصة لتجديد رسالتكم الأكاديمية، وتعزيز التزامكم بأن تكونوا أساتذة محترفين وملهمين ومسؤولين».
ويعكس برنامج تطوير كفاءات الأساتذة الجدد في جامعة سونان كاليجاغا توجهاً متزايداً داخل مؤسسات التعليم العالي الإندونيسية نحو إعداد أكاديميين قادرين على إنتاج المعرفة، وخدمة المجتمع، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر استدامة للبلاد من خلال التعليم والبحث والابتكار.