سادت أجواء وطنية مفعمة بروح الاستقلال في ساحة مبنى الإدارة المركزية بجامعة سونان كاليجاغا الإسلامية الحكومية في يوجياكرتا، يوم الاثنين (17 أغسطس/آب 2026)، حيث شارك أعضاء المجتمع الجامعي والموظفون في مراسم إحياء الذكرى الحادية والثمانين لاستقلال جمهورية إندونيسيا، مرتدين أزياء تقليدية تمثل مختلف مناطق الأرخبيل الإندونيسي، في مشهد جسّد التنوع والوحدة والوفاء لتضحيات الآباء المؤسسين والمناضلين من أجل الاستقلال.
وشارك في المراسم قيادات الجامعة وأعضاء هيئة التدريس والموظفون والطلبة ومختلف مكونات المجتمع الجامعي. وترأس رئيس الجامعة، البروفيسور نورهايدي حسن (Prof. Noorhaidi Hasan)، مراسم الاحتفال، كما تلا كلمة وزير الشؤون الدينية في جمهورية إندونيسيا بهذه المناسبة.
وأكدت كلمة الوزير أن استقلال إندونيسيا لم يكن هبة، بل ثمرة نضال طويل وتضحيات جسيمة بذلها أبناء الوطن بدمائهم ودموعهم ودعواتهم. كما يشير ديباجة دستور عام 1945 إلى أن الاستقلال تحقق بفضل رحمة الله سبحانه وتعالى.
وانطلاقاً من ذلك، لا ينبغي النظر إلى الاستقلال باعتباره مناسبة تاريخية للاحتفال فحسب، بل أمانة وطنية تتطلب العمل على تطوير المعرفة، وتعزيز ثقافة العمل الجاد والنزاهة والابتكار وخدمة المجتمع.
ومع دخول إندونيسيا عامها الحادي والثمانين من الاستقلال، دعت الكلمة المجتمع إلى مواصلة مسيرة الأبطال بما يتناسب مع تحديات العصر. فإذا كان الاستقلال في الماضي قد انتُزع بالسلاح والتضحية بالنفس، فإن معركة الحاضر تتمثل في تطوير المعرفة، وترسيخ النزاهة، وصون التعايش، وتسخير التكنولوجيا لخدمة الإنسان والحفاظ على البيئة.
التعايش ركيزة للتنمية
وشدد رئيس الجامعة، خلال تلاوته كلمة وزير الشؤون الدينية، على أهمية التعايش والوئام المجتمعي باعتبارهما من الركائز الأساسية للتنمية في إندونيسيا التي تتميز بتنوعها الديني والثقافي والاجتماعي.
وأشارت الكلمة إلى ارتفاع مؤشر الوئام بين أتباع الأديان من 76.47 نقطة عام 2024 إلى 77.89 نقطة عام 2025، مؤكدة ضرورة الحفاظ على هذا الإنجاز من خلال جعل الدين مصدراً للتنوير والسلام وتحقيق الخير العام.
وجاء في الكلمة: «لا تجعلوا الاختلاف سبباً للعداء، ولا تجعلوا الدين سبباً للابتعاد عن بعضنا بعضاً. اجعلوا الدين وقيمه طريقاً للتكاتف وإضفاء المعنى على الحياة».
ويؤكد هذا التوجيه أن التنوع يحتاج إلى ثقافة راسخة من الاحترام المتبادل والتعاون. فغياب التعايش يمكن أن يستنزف طاقات الأمة في الصراعات، بينما يتيح تحويل الاختلاف إلى مصدر قوة دفع عجلة التنمية بصورة أكثر رسوخاً واستدامة.
كما تناولت الكلمة التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي (AI)، وما أحدثه من تحولات في أساليب التعلم والعمل. وأكدت أن التقدم التكنولوجي ينبغي أن يسير جنباً إلى جنب مع الحكمة والأخلاق وتعزيز الوعي الرقمي والديني.
فمن دون هذه الأسس، يمكن إساءة استخدام التكنولوجيا في نشر المعلومات المضللة والكراهية والانقسام. أما إذا استُخدمت بمسؤولية، فيمكن أن تصبح أداة فعالة لتوسيع فرص الوصول إلى التعليم، وتسريع الخدمات، وتعزيز رفاه المجتمع.
وقال رئيس الجامعة نقلاً عن الكلمة: «يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أكثر ذكاءً، لكن على الإنسان أن يظل حكيماً. ويمكن للتكنولوجيا أن تزداد تقدماً، لكن الأخلاق يجب ألا تتخلف عن الركب».
وفي السياق ذاته، أكدت الكلمة أن الوفاء بمعنى الاستقلال يتطلب ترجمة القيم الدينية إلى قوة اجتماعية ذات أثر ملموس في حياة الناس. فقد بلغ إجمالي أموال الزكاة التي جُمعت خلال عام 2025 نحو 44.6 تريليون روبية إندونيسية، واستفاد منها أكثر من 149 مليون شخص. كما واصلت أشكال أخرى من العمل الخيري الديني، بما فيها التبرعات المرتبطة بمختلف التقاليد الدينية في إندونيسيا، نموها بوصفها قوة اقتصادية واجتماعية تسهم في تمكين المجتمعات.
وامتدت روح التضامن إلى المواطنين المتضررين من الكوارث الطبيعية. ودعا رئيس الجامعة المشاركين في المراسم إلى الدعاء للمتضررين من الزلازل في نوسا تنغارا الشرقية وسومطرة الشمالية وسولاويسي الوسطى، سائلاً الرحمة للضحايا الذين فقدوا حياتهم، والشفاء للمصابين، والصبر والقوة لأسرهم ومجتمعاتهم، مع الأمل في تسريع جهود التعافي المادي والنفسي.
تكريم الموظفين تقديراً لسنوات العطاء
وشهدت مراسم الاحتفال أيضاً منح وسام «ساتيالانتشانا كاريا ساتيا» (Satyalancana Karya Satya) لعدد من موظفي جامعة سونان كاليجاغا، استناداً إلى قرار رئيس جمهورية إندونيسيا رقم 53/TK لعام 2026، الصادر في 4 أغسطس/آب 2026.
ويُمنح هذا الوسام تقديراً للموظفين الذين أمضوا سنوات طويلة في الخدمة بإخلاص وولاء لمبادئ البانتشاسيلا ودستور عام 1945 والدولة والحكومة، إلى جانب ما أظهروه باستمرار من نزاهة وكفاءة وانضباط، بما يجعلهم نموذجاً يحتذى به في بيئة العمل.
وحصل ستة موظفين على وسام الخدمة لمدة 30 عاماً، من بينهم رئيس الجامعة البروفيسور نورهايدي حسن. كما مُنح وسام الخدمة لمدة 20 عاماً لعشرة موظفين، من بينهم نائب رئيس الجامعة لشؤون الطلبة والتعاون، البروفيسور عبد الرزاقي (Prof. Abdur Rozaki)، فيما حصل ثلاثة موظفين على وسام الخدمة لمدة 10 أعوام.
وتولى منح الأوسمة رئيس مجلس شيوخ الجامعة برفقة أمين المجلس، ونائب رئيس الجامعة للشؤون الإدارية العامة والتخطيط والمالية برفقة نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية والتطوير المؤسسي، إلى جانب رئيس مكتب الإدارة العامة والمالية برفقة رئيس مكتب الإدارة الأكاديمية وشؤون الطلبة والتعاون.
وجاء هذا التكريم ليؤكد أن الحفاظ على مكتسبات الاستقلال يتحقق أيضاً من خلال الإخلاص في أداء الواجب اليومي، وأن العمل بنزاهة وانضباط واستمرارية يمثل أحد أشكال الإسهام العملي في بناء الوطن.
ومن خلال إحياء الذكرى الحادية والثمانين لاستقلال جمهورية إندونيسيا، دعت جامعة سونان كاليجاغا الإسلامية الحكومية مجتمعها الأكاديمي إلى تحويل روح الاستقلال إلى طاقة متجددة لخدمة المجتمع. فبالمعرفة والتعايش والنزاهة، وبالاستخدام المسؤول للتكنولوجيا القائم على القيم الأخلاقية، يمكن مواصلة إرث المناضلين وترجمة روح الاستقلال إلى إسهامات حقيقية في مواجهة تحديات إندونيسيا المعاصرة.