images.jfif

الاثنين, 04 مايو 2026 18:05:00 WIB

0

فلسفة “اقرأ” في القرآن الكريم: من الإبستمولوجيا إلى الإسكاتولوجيا

الأستاذ الدكتور عبدُ المُستقيم

في مناسبة يوم التعليم الوطني، يسعى الكاتب إلى إعادة تأمّل فلسفة “اقرأ” في القرآن الكريم.

إن لفظ “اقرأ” (اقرأ) قد تكرّر في القرآن ثلاث مرات: مرّتين في سورة العلق، ومرّة واحدة في سورة الإسراء (الآية 14). ويحمل هذا التكرار دلالةً سيميائيةً على أهمية تقاليد القراءة والكتابة. غير أنّ هذا الأمر لا يقتصر على القراءة بمعناها التقني الحرفي، بل هو إعلانٌ إبستمولوجيٌّ عميق في القرآن الكريم. فـ“اقرأ” بوصفها أول وحيٍ في سورة العلق، تفتح أفقًا جديدًا للحضارة الإنسانية، مؤدّاه أن طريق الكرامة لا يمر عبر القوة المادية أو الهيمنة السياسية، بل عبر النشاط العقلي الهادف ذي المعنى.

ومن اللافت أنّ القرآن لا يقول مجرّد “اقرأ”، بل يقول: “اقرأ باسم ربك”. وهنا تتجلّى القاعدة الفلسفية؛ إذ إن القراءة ليست فعلًا محايدًا، بل نشاطٌ موجَّه ببعدٍ متعالٍ. فالمعرفة لا تقوم في فراغ، بل ينبغي أن ترتبط بوعيٍ إلهي.

وفي هذا الإطار، تُعدّ “اقرأ” أمرًا إبستمولوجيًا قاطعًا في الفكر الإسلامي. فالقرآن يأمر الإنسان أن يقرأ كلّ شيء: النص، والطبيعة، والتاريخ، بل وحتى ذاته. إذ لم يُذكر مفعول القراءة في الآية صراحةً، مما يدل على سعة دلالتها. فالقراءة تشمل الملاحظة، والتأمّل، والبحث، وإنتاج المعرفة. ومن ثمّ، تتجاوز “اقرأ” حدود القراءة النصية إلى قراءةٍ وجودية، أي القدرة على فهم الواقع فهمًا عميقًا.

ومن منظور نظرية مقاصد الشريعة، لا سيما في بعد حفظ العقل (ḥifẓ al-‘aql)، يمكن فهم الأمر بـ“اقرأ” بوصفه حفظًا للعقل من جهة الوجود (ḥifẓ al-‘aql min ḥayṡ al-wujūd)، أي تنميته وإحياؤه وجعله منتجًا بالعلم. وفي الوقت ذاته، يمكن فهمه من جهة العدم (ḥifẓ al-‘aql min ḥayṡ al-‘adam)، أي حمايته من الجهل، والجمود، والتقليد الأعمى، والانغلاق الفكري.

وعليه، فإن “اقرأ” ليست مجرد توصية، بل هي واجبٌ أخلاقيٌّ وفكريٌّ لضمان بقاء العقل الإنساني حيًّا، خلاقًا، منتجًا. فالحضارة التي تهجر “اقرأ” تسقط في الركود الفكري والتراجع الاجتماعي.

وفي سياقٍ أعمق، تحمل فلسفة “اقرأ” بُعدًا أخلاقيًا كذلك. فاقترانها بـ“باسم ربك” يعني أنّ نشاط القراءة وإنتاج المعرفة لا ينبغي أن ينفصل عن القيم الإلهية. وهذا يقتضي:

ألا تُستعمل المعرفة في الإفساد (فساد)،

وأن تتجه نحو تحقيق المصلحة (مصلحة)،

وأن يبقى العمل الفكري ضمن إطارٍ أخلاقيٍّ قويم.

وهكذا، يمنح القرآن حريةً إبستمولوجية واسعة؛ إذ يُباح للإنسان أن يقرأ كل شيء: القرآن، والكون، والظواهر الاجتماعية، والنفس، بل والواقع الميتافيزيقي. غير أنّ هذه الحرية ليست فوضوية، بل موجّهة نحو وعيٍ متعالٍ.

بل إن “اقرأ” تحمل أيضًا بعدًا إسكاتولوجيًا (أخرويًا). فهي لا تقف عند حدود المعرفة، بل تبلغ ذروتها في الآخرة، كما في قوله تعالى في سورة الإسراء (14):

اقْرَأْ كِتَابَكَ

“اقرأ كتابك!”

فهنا لا يقرأ الإنسان العالم، بل يقرأ ذاته؛ سجلّ أعماله الذي لا يقبل الإنكار. فإذا كان في بداية الوحي مأمورًا بالقراءة بوعيٍ إلهي، فإنه في نهاية مسيرته مأمورٌ بالقراءة بوعي المسؤولية والمحاسبة. فإن كان السجل حسنًا، قرأه بسرور، وإن كان سيئًا، قرأه بحسرةٍ وألم.

وبذلك، تشكّل فلسفة “اقرأ” دائرةً وجودية:

في بداية الحياة قراءةُ الواقع (إبستمولوجيا)،

وفي نهايتها قراءةُ الذات (إسكاتولوجيا).

وخلاصة القول، إن “اقرأ” تمثّل في آنٍ واحد روح الإبداع والمسؤولية. فهي تدفع الإنسان إلى أن يعيش بوعيين متلازمين: أولًا: وعيٌ إبداعيّ—يقرأ، ويبحث، ويبتكر، ويطوّر المعرفة لخدمة الحياة.

ثانيًا: وعيٌ أخلاقيٌّ إسكاتولوجيّ—يدرك أنّ كل ذلك سيُحاسَب عليه أمام الله.

لقد منح القرآن الإنسان حريةً واسعة في القراءة، لكنه وجّهها نحو غايةٍ واحدة: الوعي المتعالي (باسم ربك).

ومن ثمّ، فإن “اقرأ” ليست مجرد أمرٍ بالقراءة، بل مشروعُ حضارةٍ متكامل، يصوغ إنسانًا يفكّر، ويُبدع، ويتحمّل المسؤولية.

والله أعلم بالصواب