تتميز الليلة التي تسبق الاحتفال بذكرى استقلال إندونيسيا في يوجياكرتا بتقليد اجتماعي خاص، حيث يجتمع السكان للدعاء واستذكار نضال الآباء المؤسسين والمناضلين من أجل استقلال البلاد. ويُعرف هذا التقليد باسم «مالام تيراكاتان» (Malam Tirakatan)، وهو ليلة للتأمل والدعاء والتعبير عن الامتنان للاستقلال، واستحضار مسؤولية الجيل الحاضر في مواصلة تحقيق تطلعات مؤسسي الدولة.
وفي إطار إحياء هذا التقليد، اجتمع أعضاء المجتمع الأكاديمي في جامعة سونان كاليجاغا الإسلامية الحكومية في يوجياكرتا، مساء الأحد (16 أغسطس/آب 2026)، في مسجد الجامعة لإحياء «ليلة تيراكاتان»، عشية الذكرى الحادية والثمانين لاستقلال جمهورية إندونيسيا.
وحضر المناسبة رئيس الجامعة البروفيسور نورهايدي حسن (Prof. Noorhaidi Hasan)، إلى جانب نواب رئيس الجامعة، ورئيس مجلس الشيوخ الجامعي، ورؤساء المكاتب الإدارية، وعمداء الكليات، وأعضاء هيئة التدريس، والموظفين، والطلبة.
وقال رئيس الجامعة في كلمته إن هذا اللقاء يمثل مناسبة للتعبير عن الامتنان لما حققته إندونيسيا خلال مسيرتها، وفي الوقت نفسه لاستذكار التضحيات التي مهّدت الطريق أمامها لتصبح دولة مستقلة.
وأضاف: «يمثل هذا اللقاء أحد أشكال تعبيرنا عن الامتنان لوصول إندونيسيا، وطننا الذي نحبه ونعيش فيه ونكرس جهودنا لخدمته، إلى عامها الحادي والثمانين من الاستقلال».
ودعا جميع مكونات المجتمع الأكاديمي إلى النظر إلى الاستقلال باعتباره أكثر من مجرد إنجاز تاريخي، فهو أمانة ينبغي الحفاظ عليها ومواصلة تجسيد معانيها في الحياة. وأكد أهمية الدعاء والعمل المشترك من أجل صون الاستقلال وتمكين إندونيسيا من تحقيق المزيد من الإنجازات في مختلف مجالات الحياة.
وأوضح البروفيسور نورهايدي أن هذا التأمل يكتسب أهميته من حقيقة أن استقلال إندونيسيا جاء ثمرة مسيرة طويلة. فقد خاض قادة الأمة والآباء المؤسسون نضالهم عبر مسارات متعددة، شملت الدبلوماسية والسياسة والاقتصاد وغيرها من المجالات.
ولم ينته هذا النضال بإعلان الاستقلال في 17 أغسطس/آب 1945. فقد واجهت محاولات هولندا لاستعادة السيطرة على إندونيسيا بعد إعلان الاستقلال مقاومة واسعة في مختلف أنحاء البلاد، واستمرت المواجهة حتى الاعتراف بالسيادة الإندونيسية عام 1949. وخلال تلك المرحلة، دفع الآلاف حياتهم ثمناً للدفاع عن الاستقلال الذي أُعلن.
وقال رئيس الجامعة: «لهذا تصبح ليلة تيراكاتان فرصة للنظر إلى التاريخ، ليس بوصفه مجرد ذكرى من الماضي، وإنما باعتباره أساساً نستند إليه لفهم مسؤولية الجيل الحاضر».
ودعا رئيس الجامعة جميع أعضاء المجتمع الأكاديمي إلى الدعاء للمناضلين الذين ضحوا بأرواحهم وأجسادهم في سبيل الوطن، مؤكداً أن الدعاء يمثل جزءاً من الوفاء لمن ناضلوا من أجل الدفاع عن استقلال إندونيسيا.
وأضاف: «ندعو أيضاً أن نكون، نحن الذين نعيش في هذا العصر، قادرين على مواصلة تحقيق تطلعات إعلان الاستقلال التي أرسى أسسها أسلافنا. ولذلك، فلنملأ هذا الاستقلال بالعمل بأفضل ما نستطيع، ولنقدم أفضل إسهاماتنا كلٌّ في مجاله».
ويضع هذا التوجيه مؤسسات التعليم العالي أمام مسؤولية أوسع. فالجامعة لا ينبغي أن يقتصر دورها على تخريج أشخاص يمتلكون المعرفة والذكاء، بل عليها أيضاً إعداد جيل قادر على فهم قضايا مجتمعه، والتعبير عن موقفه عندما تكون المصلحة العامة على المحك، والإسهام في إحداث التغيير.
فالتعليم، في جوهره، لا يتعلق باكتساب المعرفة وحدها، وإنما يسهم أيضاً في تشكيل طريقة الإنسان في اتخاذ المواقف وتوظيف قدراته لتحقيق المنفعة العامة. فإندونيسيا لا تعاني نقصاً في أصحاب العقول والكفاءات، وإنما تحتاج إلى أشخاص قادرين على تسخير علمهم وقدراتهم من أجل الصالح العام.
وتنسجم هذه الرؤية مع توجهات التنمية الوطنية التي تضع تنمية الموارد البشرية في صميم بناء مستقبل إندونيسيا. وبالنسبة إلى مؤسسات التعليم العالي، يعني ذلك مواصلة بناء بيئة تعليمية قادرة على إعداد أجيال تمتلك المعرفة والفكر النقدي والاهتمام بقضايا الوطن.
وهكذا تحولت «ليلة تيراكاتان» في مسجد جامعة سونان كاليجاغا إلى مساحة يلتقي فيها الامتنان باستحضار التاريخ والعزم على مواصلة العطاء. فالاستقلال لا يتوقف معناه عند أحداث 17 أغسطس/آب 1945، بل تتجدد دلالاته من خلال ما يقدمه الجيل الحاضر من أعمال وإسهامات.
وفي هذا السياق، فإن معنى أن يكون الإنسان «حراً» هو أن يضمن أن العلم والتعليم والعطاء الذي يقدمه اليوم يسهم في دفع إندونيسيا نحو مستقبل أكثر تحضراً وإنسانية.