download - 2026-10-01T091449.292.jfif

الأربعاء, 30 سبتمبر 2026 09:16:00 WIB

0

إطلاق ومناقشة كتاب The Art of Scientific Inquiry.. رئيس جامعة سونان كاليجاغا يقدم فن البحث لبناء الباحث المستقل


قبل أن يطرح الباحث سؤالاً قد يبدو بسيطاً، ثمة عمل علمي طويل ينبغي إنجازه؛ يبدأ بقراءة الدراسات السابقة، ومتابعة النقاشات الأكاديمية، وتحديد المسائل التي لم تجد إجابات كافية بعد، إلى جانب سلسلة أخرى من المهام العلمية. وحين تتبلور المسألة البحثية، تبدأ مرحلة أخرى تتمثل في البحث عن الأدلة، وبناء الحجة العلمية، وصياغتها بوضوح.

هذه الرحلة الفكرية يناقشها رئيس جامعة سونان كاليجاغا الإسلامية الحكومية في يوجياكرتا، البروفيسور نورهايدي حسن، في كتابه The Art of Scientific Inquiry: Menguasai Cara Berpikir, Meneliti, dan Menulis Ilmiah، أو «فن الاستقصاء العلمي: إتقان التفكير والبحث والكتابة العلمية».

وأُطلق الكتاب ونوقش في ندوة نظمتها كلية الدراسات العليا بجامعة سونان كاليجاغا بالتعاون مع Suka Press، في الطابق الأول من قاعة المؤتمرات (Convention Hall)، يوم الثلاثاء (29/9/2026).

وشارك في مناقشة الكتاب مدير الدراسات العليا البروفيسور محمد نور إخوان، وفينا إتريياتي، الحاصلة على الدكتوراه والمحاضرة في قسم علم الاجتماع بكلية العلوم الاجتماعية والسياسية في جامعة غاجاه مادا (UGM)، إلى جانب نجيب كيلاني، الحاصل على الدكتوراه والمحاضر في الدراسات العليا بجامعة سونان كاليجاغا. كما حضر الفعالية مئات الطلبة من داخل الجامعة وخارجها.

وأعرب البروفيسور نورهايدي عن قلقه إزاء استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) طريقاً مختصراً لإنتاج الكتابات العلمية. وقال إنه يشعر بالأسف عندما يتمكن شخص من إنتاج مقال علمي من دون أن يفهم حقيقة المشكلة التي يبحثها أو الحجة المكتوبة باسمه. ويرى أن ما يضيع في مثل هذه الممارسة هو تحديداً عملية التكوين العلمي التي تصنع الباحث الحقيقي.

وقال: «إن اتخاذ قرار مواصلة الدراسة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه هو اختيار لمسار حياة يهدف إلى أن يصبح المرء باحثاً؛ قادراً على تفسير الواقع بصورة منهجية ومنطقية وتجريبية. وعندما يجري تجريد هذا التفسير، يمكن أن يتحول إلى نظرية أو نموذج أو مفهوم، وغير ذلك مما يسهم في تطور المعرفة. وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه إنتاج المعرفة؛ فحين يفكر الإنسان، تتولد المعرفة».

وأوضح البروفيسور نورهايدي أن المقال العلمي هو ثمرة عملية طويلة تبدأ بصياغة المشكلة، وتصميم البحث، ثم بناء حجة يمكن الدفاع عنها علمياً. وهي عملية تتطلب المثابرة والصبر.

وقال: «إذا أردتم أن تصبحوا باحثين حقيقيين، فاسلكوا ذلك الطريق الهادئ الطويل والمتعرج. ومن خلاله ستنضجون تدريجياً لتصبحوا باحثين مستقلين ومنتجين للمعرفة».

وأكد البروفيسور نورهايدي، المصنف ضمن أفضل 2% من العلماء عالمياً (Top 2% World Ranking Scientists)، أن الكتابة العلمية تتطلب عملية دقيقة وشاملة. فكل فقرة تحتاج إلى مراجعة مدى ترابطها، وكل حجة يجب أن تُوزن بقوة البيانات التي تسندها، وكل جزء ينبغي مناقشته مع المشرف الأكاديمي. ومن خلال هذه العملية يبني الباحث تفسيراً متكاملاً للمسألة التي يدرسها.

ومع ذلك، تبقى الاستنتاجات العلمية مؤقتة وقابلة للمراجعة؛ أي إنها تظل قائمة ما دامت مدعومة بالبيانات والنظرية والاستدلال المستخدم، وتبقى في الوقت نفسه مفتوحة للاختبار في أبحاث لاحقة.

وقال: «إذا جاء شخص بعد شهر مثلاً وفنّد ما توصلتم إليه، فلا مشكلة في ذلك. لقد ملأتم بالفعل نقطة كانت فارغة في المعرفة».

ودعا البروفيسور نورهايدي، وهو أيضاً عضو في لجنة الثقافة التابعة للأكاديمية الإندونيسية للعلوم، الطلبة إلى العودة إلى إحدى المهام الأساسية للباحث، وهي القراءة المتأنية.

وأوضح: «القراءة تعني أن تدرك السؤال الذي يطرحه الكاتب، وأن تفهم النظرية التي يستخدمها، وأن ترى كيف تدعم الحقائقُ النتيجةَ التي توصل إليها».

وشدد على أن إحدى المهام الأساسية للباحث هي إنتاج الجِدّة العلمية (novelty)، أي اكتشاف جانب من جوانب المشكلة لم يسبق أن درسه أو يفسره باحثون آخرون. وحتى يتمكن الباحث من تحديد موضع إسهامه، عليه متابعة تطور النقاش الأكاديمي في تخصصه. ومع أن الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية جعلا الوصول إلى الدراسات من مختلف أنحاء العالم أكثر سهولة، فإن ذلك لا يلغي ضرورة قراءتها وتقييمها بصورة نقدية.

وتبلورت أفكار كتاب The Art of Scientific Inquiry من مسيرة طويلة عاشها البروفيسور نورهايدي في التعلم والبحث والتدريس والإشراف على الطلبة. وبدأت رحلته الأكاديمية في جامعة سونان كاليجاغا، حيث حصل على درجة البكالوريوس، قبل أن يواصل دراسته في هولندا ويحصل على درجة الماجستير (M.A.) من Leiden University، ودرجة (M.Phil.) من International Institute for the Study of Islam in the Modern World، ثم أكمل الدكتوراه في Utrecht University.

وأتاح له التعلم في بيئات أكاديمية مختلفة الاحتكاك بتقاليد تقوم على القراءة النقدية، ومساءلة النتائج، واختبار الحجج من خلال النقاش العلمي. وظل هذا النهج حاضراً في عمله البحثي والتدريسي وإشرافه على الطلبة، وهي خبرات أعاد صياغتها لاحقاً في هذا الكتاب.

وقال مخاطباً الحضور: «حاولوا أن تفهموا بصورة شاملة ما كتبته. فهذا الكتاب يمكن أن يساعد كل من يريد أن يصبح باحثاً جيداً. إنه خلاصة مستخرجة من رحلة طويلة من التدريس والإشراف والدراسة والتفاعل مع الباحثين من مختلف أنحاء العالم».

وخلال مناقشة الكتاب، وضع البروفيسور محمد نور إخوان أفكار البروفيسور نورهايدي في سياق تطور الدراسات الإسلامية. واستعاد الفترة التي درس فيها الاثنان في جامعة لايدن، حيث تعمقا في مقاربات تتيح دراسة الإسلام من خلال الأسئلة الأكاديمية والبحث التجريبي.

أما فينا إتريياتي، فرأت أن الكتاب يذكّر القارئ بالدور الأساسي للإنسان في العملية البحثية. فالتفكير النقدي، والحساسية تجاه المشكلات، والقدرة على مراجعة الافتراضات الذاتية، كلها قدرات تتشكل عبر مسار طويل. وترى فينا أن طريقة التفكير التي يصقلها البحث تؤثر في نهاية المطاف في كيفية فهم الإنسان لحياته اليومية واتخاذه للقرارات.

من جانبه، رأى نجيب كيلاني أن قوة كتاب The Art of Scientific Inquiry تكمن في أنه يدعو القارئ إلى إعادة التفكير في عمل يُفترض أحياناً أنه انتهى حتى قبل بدء البحث، وهو: كيف يتحول الفضول إلى سؤال علمي جدير بالطرح؟

وأوضح أن السؤال العلمي لا ينشأ بمجرد الرغبة في العثور على إجابة. فعلى الباحث قراءة أعمال الباحثين الآخرين لمعرفة ما تم تفسيره بالفعل، وأين يمكن لبحثه أن يقدم إسهاماً جديداً. وفي هذه العملية، تسهم مراجعة الأدبيات أيضاً في تنمية التواضع الفكري لدى الباحث.

وسلط نجيب الضوء كذلك على تناول البروفيسور نورهايدي لمفهوم الاستدلال الاختطافي (Abduction) في منطق البحث العلمي. فعندما يواجه الباحث حقيقة أو ظاهرة ما، فإنه لا يكتفي بمطابقتها مع نظرية قائمة، وإنما يحاول صياغة التفسير الممكن الأكثر معقولية، ثم يخضعه لمزيد من الاختبار. ويرى نجيب أن هذا النقاش يؤكد أن البحث العلمي يتطلب القدرة على الاستدلال والتفكير، وليس مجرد الدقة في تطبيق الإجراءات.

ومن القضايا الأخرى التي اعتبرها نجيب مهمة مفهوم الانعكاسية البحثية (Reflexivity). فالكتاب يدعو الباحث إلى إدراك أن موقعه في الميدان، وطريقة تفاعله مع المشاركين أو مصادر المعلومات، ومستوى الثقة الذي يستطيع بناءه معهم، كلها عوامل قد تؤثر في البيانات وفي كيفية تفسيرها.

وعلى الرغم من تناوله قضايا منهجية وفكرية معقدة، فإن الكتاب كُتب بلغة يمكن للطلبة متابعتها والاستفادة منها، بدءاً من مرحلة البكالوريوس وصولاً إلى مرحلة الدكتوراه.

وفي نهاية المطاف، يدعو الكتاب القارئ إلى ممارسة العمل العلمي بجدية: أن يقرأ لفهم النقاشات العلمية، وأن يطرح أسئلة ذات معنى، ثم يبني تفسيرات تظل مفتوحة للاختبار والنقد. فمن خلال هذه العملية يتعلم الباحث أن يفكر باستقلالية، وأن يقدم إسهامه في مسيرة إنتاج المعرفة.

(العلاقات العامة – جامعة سونان كاليجاغا الإسلامية الحكومية)