لم يعد تعليم بانجاسيلا في مؤسسات التعليم العالي يقتصر على حفظ مبادئها الخمسة أو تدريسها كمقرر إلزامي فحسب، بل بات من الضروري أن تُجسَّد قيمها بوصفها أساسًا أخلاقيًا يوجّه التفكير، ويقود تطور المعرفة، ويسهم في معالجة قضايا المجتمع. وانطلاقًا من هذه الرؤية، نظمت جامعة سونان كاليجاغا الإسلامية الحكومية في يوجياكارتا، من خلال مركز الدراسات التكاملية والترابطية والتحويلية (CIINTRA)، وبالتعاون مع الوكالة الإندونيسية لترسيخ أيديولوجية بانجاسيلا (BPIP)، الندوة الوطنية حول تعليم بانجاسيلا تحت عنوان:
«من خلال تكامل المعرفة والروحانية والهوية الوطنية: تعزيز أيديولوجية بانجاسيلا من منظور تكاملي، وترابطي، وتحويلي»،
وذلك في قاعة المؤتمرات بجامعة سونان كاليجاغا يوم الاثنين الموافق 27 يوليو/تموز 2026.
وشهدت الندوة، التي عُقدت بصيغة حضورية وافتراضية، مشاركة نحو 250 مشاركًا في مقر الجامعة، إلى جانب مئات المشاركين عبر الإنترنت من جامعات ومؤسسات حكومية وأوساط أكاديمية من مختلف أنحاء إندونيسيا، في دلالة واضحة على الاهتمام المتزايد بتطوير تعليم بانجاسيلا بما يواكب التحديات الوطنية المعاصرة.
وافتُتحت أعمال الندوة رسميًا بقرع الجرس التقليدي (الغونغ) من قبل رئيس الوكالة الإندونيسية لترسيخ أيديولوجية بانجاسيلا، الأستاذ الدكتور الحاج يوديان وحيدي، يرافقه رئيس جامعة سونان كاليجاغا، الأستاذ الدكتور نورهايدي حسن، وعدد من المتحدثين الرئيسيين، إيذانًا بانطلاق المنتدى العلمي الوطني الذي يهدف إلى صياغة رؤية جديدة لتعزيز تعليم بانجاسيلا عبر منهج تكاملي وترابطي وتحويلي.
وفي كلمتها، أوضحت مديرة مركز CIINTRA ورئيسة اللجنة المنظمة، الأستاذة الدكتورة إيفا لطيفة، أن التحدي الأكبر أمام تعليم بانجاسيلا في الجامعات لم يعد يتمثل في قدرة الطلبة على حفظ مبادئها، وإنما في تحويل هذه المبادئ إلى منظومة قيمية تنعكس في الحياة اليومية والممارسة المهنية.
وأكدت أن تعليم بانجاسيلا ينبغي أن ينتقل من الطابع النظري إلى نموذج تعليمي يربط قيمها بالقضايا الواقعية في مجالات الصحة، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة.
وقالت:
"لا يكفي أن يحفظ الطلبة مبادئ بانجاسيلا، بل يجب أن تصبح هذه القيم أسلوبًا في التفكير، ومنهجًا لاتخاذ القرار، وأساسًا أخلاقيًا يوجّه مختلف التخصصات العلمية."
وأوضحت أن إنشاء مركز CIINTRA يأتي في إطار جهود الجامعة لترسيخ النموذج التكاملي والترابطي والتحويلي الذي يجمع بين المعرفة، والروحانية، والإنسانية، والثقافة ضمن إطار علمي موحد، بحيث تصبح بانجاسيلا أفقًا أخلاقيًا يوجّه البحث العلمي والتحول الاجتماعي.
وأضافت:
"لا ينبغي أن يتوقف العلم عند حدود التنظير، بل يجب أن يسهم في تغيير طرائق التفكير والعمل، وفي إيجاد حلول حقيقية لقضايا المجتمع. ونأمل أن تسهم هذه الندوة في بلورة نموذج متكامل لتعليم بانجاسيلا يجعل قيمها حاضرة في جميع الحقول المعرفية."
من جانبه، أكد رئيس جامعة سونان كاليجاغا، الأستاذ الدكتور نورهايدي حسن، أن تنظيم هذه الندوة يعكس التزام الجامعة بالإسهام في تعزيز أيديولوجية بانجاسيلا من خلال المقاربة العلمية التي تميز الهوية الأكاديمية للجامعة.
وفي هذه المناسبة، كرّم رئيس الجامعة شخصيتين كان لهما أثر بارز في مسيرة الجامعة، هما الأستاذ الدكتور محمد أمين عبد الله، رئيس الجامعة الأسبق (2001–2010)، والأستاذ الدكتور الحاج يوديان وحيدي، رئيس الجامعة خلال الفترة (2016–2024).
وأوضح أن الدكتور أمين عبد الله يُعد صاحب نظرية التكامل والترابط المعرفي التي أصبحت السمة الأكاديمية المميزة للجامعة، فيما أسهم الدكتور يوديان وحيدي في تعزيز التحول المؤسسي، والانفتاح الدولي، والارتقاء بتنافسية الجامعة، الأمر الذي جعل جامعة سونان كاليجاغا اليوم واحدة من أبرز الجامعات الإسلامية في إندونيسيا.
كما أشار إلى الإنجازات الدولية الأخيرة التي حققتها الجامعة، بتصدرها الجامعات الإسلامية الحكومية في تصنيف ويبوميتركس، وحصولها على اعتراف عالمي في تصنيف Times Higher Education (THE) Impact Rankings، مؤكدًا أن هذه النتائج جاءت ثمرة الالتزام المستمر بتطوير نموذج تكامل العلوم الذي يحظى اليوم باعتراف دولي متزايد.
وقال في كلمته:
"إن بانجاسيلا ليست مجرد أيديولوجية للدولة، بل هي الفلسفة الأساسية للحياة الوطنية، والبوصلة الأخلاقية التي حافظت على وحدة إندونيسيا لعقود طويلة، رغم ما تتميز به من تنوع ديني وثقافي."
وأضاف أن التحديات الراهنة، في ظل العولمة وتصاعد النزعات الإقصائية، تفرض تقديم تعليم بانجاسيلا من خلال منظور تكاملي وترابطي، بحيث تصبح قيمها حاضرة في جميع عمليات التعليم والتعلم، وليس في مقرر دراسي واحد فقط.
وأكد أن الجامعة تسعى إلى إدماج قيم بانجاسيلا في أنشطة التعليم، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، لتصبح إطارًا مرجعيًا يوجّه مختلف التخصصات الأكاديمية.
أما رئيس الوكالة الإندونيسية لترسيخ أيديولوجية بانجاسيلا، الأستاذ الدكتور الحاج يوديان وحيدي، فقد دعا الجامعات إلى استلهام دروس التاريخ الحضاري، مشيرًا إلى أن تراجع الأمم يحدث عندما تنفصل العلوم والتكنولوجيا عن القيم الدينية والأخلاقية، بينما يتحقق التقدم الحقيقي من خلال التكامل بين المعرفة العلمية، والبحث، والقيم.
واستعرض تجربة الحضارة الإسلامية في الأندلس، مبينًا أن تراجعها بدأ عندما ضعفت تقاليد البحث العلمي والتجريب والتكنولوجيا، مؤكدًا أن إندونيسيا مطالبة اليوم بتعزيز العلوم والتكنولوجيا مع الحفاظ على القيم التي تجسدها بانجاسيلا والدين.
وقال:
"يجب أن يسير العلم، والدين، والبحث العلمي جنبًا إلى جنب. فالأمة التي تمتلك المعرفة والتكنولوجيا هي الأمة القادرة على قيادة الحضارة."
وأضاف أن الجامعات الإسلامية الحكومية، وعلى رأسها جامعة سونان كاليجاغا، تمتلك موقعًا استراتيجيًا في إعداد كوادر تجمع بين المعرفة الدينية، والعلوم الحديثة، والتكنولوجيا، والهوية الوطنية، معتبرًا أن نموذج التكامل المعرفي الذي تتبناه الجامعة يمثل أساسًا مهمًا لتحقيق رؤية إندونيسيا كدولة متقدمة في المستقبل.
وعقب الجلسة الافتتاحية، تواصلت أعمال الندوة من خلال جلسة علمية أدارها الدكتور سوجادي، بمشاركة أربعة من أبرز الأكاديميين الإندونيسيين.
واستهل الجلسة الأستاذ الدكتور محمد أمين عبد الله، عضو المجلس التوجيهي للوكالة الإندونيسية لترسيخ أيديولوجية بانجاسيلا، بمحاضرة بعنوان:
«بانجاسيلا بوصفها أخلاقيات للمعرفة وروحانية وطنية من منظور تكاملي–ترابطي–تحويلي»،
أكد فيها أهمية اعتبار بانجاسيلا مرجعية أخلاقية لتطوير العلوم.
ثم قدمت الأستاذة الدكتورة ميلاني بوديانتا، الأستاذة الفخرية بجامعة إندونيسيا وعضو أكاديمية العلوم الإندونيسية والحائزة على جائزة كومباس للمفكرين المتميزين لعام 2025، محاضرة بعنوان:
«تجسيد بانجاسيلا كممارسة ثقافية»،
دعت فيها إلى فهم بانجاسيلا بوصفها ممارسة اجتماعية وثقافية تُصان عبر احترام التنوع، والإنسانية، والانتماء الوطني.
كما شاركت الأستاذة الدكتورة سيتي روحيني ذهيايتين، أستاذة حقوق الإنسان وقضايا النوع الاجتماعي، وسفيرة إندونيسيا لدى أوزبكستان وقيرغيزستان، عبر الاتصال المرئي من السفارة الإندونيسية في طشقند، بمحاضرة تناولت أهمية تعليم بانجاسيلا من منظور المساواة بين الجنسين والإنسانية العالمية، باعتباره أساسًا لترسيخ العدالة والتسامح والسلام في المجتمعات متعددة الثقافات.
واختتمت الجلسة بمحاضرة الأستاذ الدكتور ساهيرون شمس الدين، مدير التعليم العالي الإسلامي بوزارة الشؤون الدينية، بعنوان:
«تكامل المعرفة: الدراسات الإسلامية، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات»،
أكد فيها أن الجامعات الإسلامية مطالبة بدمج الدراسات الإسلامية مع العلوم والتكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والروبوتات، ضمن إطار منهجي وأخلاقي يضمن أن تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسان والمجتمع.
كما شهدت الندوة إعلان نتائج المسابقة الوطنية لمقال بانجاسيلا لعام 2026، التي شارك فيها طلبة الجامعات وطلاب المرحلة الثانوية من مختلف أنحاء إندونيسيا، حيث جرى تكريم الفائزين تقديرًا لإسهاماتهم الفكرية في تعزيز قيم بانجاسيلا وترسيخها في الحياة الوطنية.
ومن خلال هذه الندوة الوطنية، أكدت جامعة سونان كاليجاغا مجددًا دورها بوصفها مركزًا لتطوير النموذج التكاملي والترابطي الذي يجمع بين المعرفة، والقيم الإسلامية، والإنسانية، والهوية الوطنية في منظومة واحدة متكاملة. وبالتعاون مع الوكالة الإندونيسية لترسيخ أيديولوجية بانجاسيلا (BPIP)، تسعى الجامعة إلى تقديم نموذج لتعليم بانجاسيلا لا يقتصر على الطرح النظري، بل يسهم في إعادة تشكيل أساليب التفكير، والسلوك، ومعالجة القضايا الوطنية، من خلال إنتاج معرفة علمية تستند إلى قيم بانجاسيلا وتخدم المجتمع والدولة